:: على بصيرة ::

   

الرئيسية   |   السيرة الذاتية   |   حول الموقع   |   اتصل بنا

| د. عبد الرحمن البر : حكم التظاهر بين السلمية والبلطجة | بلاغ للنائب العام | د البر حوار خاص للحياة اليوم بعد تصريحاته عن نية الرئيس محمد مرسي تحرير القدس | د عبد الرحمن البر يصحح ما نسب إليه في العراف اليهودي | توضيح وبيان | ملخص الزيارة الأولى لمحافظة أسوان

Bookmark and Share

 

حرية التعبير عن الرأي الضوابط والأحكام

 


د. أسعد السحمراني .. أستاذ العقائد والأديان في جامعة الإمام الأوزاعي – بيروت

 

د. السحمراني يلحّ قليل من الناس على طرح مسألة حرية الرأي، وحرية التعبير في مواجهة حالات من الاستبداد والتسلط التي تقمع الحريات، وتكم الأفواه، لأن المستبد الذي يستبيح الحرمات، وخصوصيات الآخرين، أو ينفرد بالسلطة مستأثراً ومستثمراً لقدرات البلاد، يخاف الكلمة الحرة، ويرى في صاحبها عدواً.

وقد تنوعت أساليب قمع الحريات بعد تطور وسائل الإعلام والاتصال، من الرقابة على الهاتف بالتنصت والتسجيل، إلى الرقابة على شبكة المعلومات الدولية (انترنيت)، إلى وقف الصحف أو منع دخولها، إلى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ومنع بثّها، أو إغلاق مكاتب مراسليها.

 

الإسلام بالمقابل أعطى حق التعبير وحرية الرأي لكل مواطن ما دام نقده أو اعتراضه أو موقفه سليماً، وهو تصويب لخطأ، أو إبراز لحقيقة وهناك أكثر من حادثة أو نص تؤكد كيف أن الإسلام دعا إلى إطلاق الحريات، ومن ذلك حادثة مراجعة المرأة للخليفة عمر رضي الله عنه.. وشهرتها تغني عن سرد تفاصيلها.

 

إن هذه الواقعة تبيّن مقدار مساحة حرية الرأي وحرية التعبير في الإسلام، والضامن الأساسي لهذه الحرية هو مبدأ الشورى، لأن الشورى لا تكون إلا إذا توافرت مناخات كافية لحرية إبداء الرأي، وإذا ما حصل القمع والمنع فإن الشورى تصبح معطلة.

 

يقود هذا إلى القول: إن حرية التعبير مطلب إنساني، وواجب إسلامي والحوادث منذ عهد النبوة إلى يومنا هذا أكثر من أن تحصى، وعند كل واقعة نجد الآراء تطرح بكل حرية حتى لو كانت في مستوى الاعتراض كما حال المرأة مع الفاروق بشأن المهور.

 

وإذا كان بعضهم قد مارس المنع والصدّ عن إبداء الرأي فإن ذلك يكون مخلفة للإسلام، وهو محسوب على فاعله، والأمر في ذلك إسلامياً أكثر تحريضاً على اتخاذ الموقف والتعبير عنه، وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك ظالم، فقد تودّع منها."[1]

 

الحرية المطلقة

إن حرية التعبير تحتاج إلى وقفة دقيقة لتحديد الأمور لأن الإنسان محدود القدرات، يعيش في مجتمع، وله من شريعته أحكام وحدود، لذلك لا مكان في حياة أي إنسان لشيء اسمه حرية التعبير المطلقة، وإنما مسألة حرية التعبير كسواها من المتعلقات بحياة الإنسان إنما هي مسألة احتمالية تختلف من إنسان لآخر، ومن مرحلة في عمر الإنسان إلى مرحلة أخرى، ومن دين لآخر، ومن مجتمع ولآخر، ومن موقع للفرد إلى آخر، ومن قدرات وكفايات يتمتع بها الشخص إلى مستوى آخر من القدرات والكفايات... الخ، ويمكن إجمال العوامل التي تقيّد الفرد أو تضبط التعبير عنده بما يلي:

 

1- الحياة النفسية: من مأثور القول: "لله در الإنسان فإنه عالم أصغر انطوت فيه أسرار العالم الأكبر." لذلك وقف الدارسون بحيرة أمام فهم الحياة النفسية للإنسان، وقد ذهبوا مذاهب شتى في الفلسفة، وعلم النفس، وتباعدت مدارس الفلسفة بين الوعي واللاوعي، وبين الظاهر والباطن، وبين الغريزة والفطرة أو الاكتساب والتعلم، أو الإلهام والإشراق والحَدْس. هذا قليل من كثير تنوع المواقف بشأن قوى النفس البشرية ووجوه الإدراك فيها، وهنا يبرز السؤال: هل من الصواب القول أن الإنسان يعبّر عن كل ما يجول في ذاته؟ هل الصراحة المطلقة موجودة؟ الكل يعلم بأن الإنسان يختزن في ذاته الكثير من المفاهيم، والغرائز، والمطالب، ووجوه المعاناة، ولا يعلنها لأحد بل يكبتها ويخفيها  عن أقرب الناس إليه، لأن إعلانها قد يحرجه، أو يجلب له الخجل، أو يخاف أذى قد يأتيه بسبب ذلك. لكل هذا يكون الصحيح بأنه لا شيء اسمه التعبير المطلق وإنما الأمر احتمالي يتلون، ويتنوع، ويختلف، وحالة واحدة لحرية التعبير.

 

2- القيم: هناك قيم ناظمة لشبكة العلاقات في كل مجتمع، وهذه القيم تكون من مصدر ديني، ومن خبرة تراكمية تراثية، أو من الأعراف والتقاليد، ولا يستطيع الفرد أن يتمرد على منظومة القيم هذه، لأنه في هذه الحالة سيصطدم مع محيطه، وبيئته الاجتماعية، مما يجعل الجميع ينفرون منه، ويصبح منبوذاً.

 

 إن عبء ضغط منظومة القيم هذه يقيّد الفرد، ويمنعه من التعبير عن كل أمر يدور في نفسه ولا يتناسب مع منظومة القيم السائدة في مجتمعه سواء أكانت دينية أم غير دينية.

 

3- الإرادة والقرار والفعل: إن الإنسان الذي يريد التعبير عن أمر ما، إنما ذلك ليعرب عن إرادته وعزيمته ومقاصده وتطلعاته، وما يعبر عنه على شكل قرار أو موقف تسبقه عملية وعي وتفكير، وموازنة ومراجعة، وبعدها ترجيح فقرار، والخطوة الأخيرة تكون للتنفيذ والفعل. وعندما يشعر الإنسان بعجزه عن الفعل والتنفيذ قد يحجب رؤيته، ويمتنع عن إعلان موقفه وقراره لإحساسه بأن ما لا يترجم فعلاً وتنفيذاً لا لزوم للكلام به، وبذلك يحبس الإنسان بعض أفكاره وآرائه.

 

4- أساليب التعبير: إن حرية التعبير، وحرية إبداء الرأي تحتاج لإمكانات يحتاجها الإنسان مع الإشارة أن أساليب التعبير ليست واحدة، فمنها ما يكون بالإشارات التي تترجمها لغة الجسد والأعضاء، ومنها ما يكون بطريق التعبير الصريح لغة وكتابة وقولاً، ومنها ما يكون بأساليب الفنون كالرسم واللحن والشعر وسائر الفنون، وكثيراً ما تكون الأساليب هنا رمزية، وهذا كله تلعب دوراً فيه قدرة الشخص على التعبير كي يوصل فكرته فقد يعجز ويكون كلامه دون المستوى أو رموزه الفنية، وقد يعجز المتلقون للرسالة عن فهم كلامه أو رموزه، وعندها لا يتحقق الغرض، وبذلك حتى لو توافرت حرية التعبير لا يكون الإنسان قد أوصل ما يريد أن يرسله للمتلقين.

 

5- القوانين والأنظمة: إن كل بلد له قوانينه وإجراءاته، ولا يستطيع المواطن أو المقيم في هذا البلد تجاوز هذه القوانين بحجة حرية التعبير، بل يكون المطلوب منه أن تأتي أقواله وأفعاله وإشاراته وكل أساليب التعبير عنده مناسبة للقوانين والأنظمة المرعية، وعليه أن يتكيف معها، وإلا عرّض نفسه للعقوبات ولأنواع من الروادع، وبالمقابل لا يستطيع أن يطالب بغير ما هو معتمد بذريعة أن بلداً آخر فيه غير ذلك، اللهم إلا الحركات الإصلاحية والمفكرون فهؤلاء يكون لهم مشروع إصلاحي يستقطبون له الأنصار، ولا يصبح نافذاً إلا بعد اعتماده.

 

تأسيساً على ما تقدم نقول: إن حرية التعبير احتمالية، ولا مكان لما هو مطلق فيها، وأول القيود هو أن الإنسان في مجتمعه يجب عليه أن لا ينطق أو يعبر بأية وسيلة عما هو مؤذٍ للآخرين، ولا يحق له أن يعبّر بشكل يطال شعور غيره أو سمعته، ولا حق لأحد أن يعلن ما فيه هتك لحرمات الناس وخصوصياتهم، ولا حقّ لأحد أن يعلن ما فيه فضح لأسرار الدول والجيوش بشكل يعرّض البلد للخطر لذلك يكون لكل عمل خصوصياته، ولكل مؤسسة حكومية أو أهلية أسرارها ولا يحق لأي مواطن أو عامل أن يطلق العنان للسانه أو قلمه بحجة حرية التعبير.

 

إن التعبير من قبل الفرد له حدود وقواعد وضوابط وهي متنوعة وكثيرة وتكون مرنة حيناً، وجامدة حاسمة أحياناً أخرى، والعاقل هو من أتقن فهم واقعه وأجاد التعبير بأحسن وجوهه المفيدة والمؤثرة. يوافق هذا الرأي كثيرون، ومنهم من قال: "لكن الصعوبة الحقيقية هنا هي تقرير الحدود النهائية للتساهل المطلوبة تجاه القيمة المعترف بها لحرية الكلام. ففضلاً عن مسألة القذف والفحش هناك مسألة إلى أي مدى يسمح لوسائل الترفيه أو الإذاعة كوسيلة تنشر وتذيع آراء ومفاهيم يمكن أن تعتبر متعارضة مع آراء المجتمع ككل، أو مع مصالح فئة مهمة، أو تعتبر اعتداء على فئات من الأفراد."[2] أو اعتداء على أمن الدولة وأمن المجتمع... ألخ.

 

فحرية التعبير حق للإنسان لكنها ليست مطلقة، فالمجتمع له ولغيره، والفرد ليس مخلى ومشاعره وانفعالاته، وبذلك يكون القيد الأبرز على حرية التعبير هو حقوق الآخرين وحرماتهم وحرياتهم. فالإنسان "له حرية أن يقول ويكتب ما يشاء في حدود اقتسام تلك الحرية مع الآخرين. وقيمة الحرية اقتضت في جلّ المجتمعات أن يتنازل الفرد عن قسط من حريته المطلقة واضعاً نفسه مكان الآخرين، فلا يجرح شعورهم كي لا يجرحوا بدورهم شعوره، ومن هنا عرفت المجتمعات مبدأ المحافظة على النظام العام وحُسن الآداب، وإن اختلفت النظم في تسمية مضمونه، ذلك المضمون الذي لا يسمح للفرد أن ينتقص من حريات الآخرين، فليس له أن يسبّ غيره، أو ينال من حرمات الناس، أو يهين مقدساتهم ومعتقداتهم باسم الحرية."[3] القاعدة هي أن حرية التعبير احتمالية (أو نسبية كما يقول بعضهم)، ولا مجال لأن تكون حرية التعبير مطلقة أو عشوائية بل كل شيء له قواعده وأسسه وأنظمته وضوابطه.

 

الأسس والقواعد

إن الإسلام يضمن لكل النّاس حرية التعبير، والمسلم معني في هذا الباب بالدعوة إلى دين الله، وبنشر قيم الخير، ومواجهة المنكر والفحشاء والبغي وكل ما نهى الله تعالى عنه.

 

وقد جاء الأمر عاماً في قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون.}[4]

 

الدعوة فرض كفائي يقوم به المستطيعون من أهل الأمة، ويحتاج الداعية لحرية تؤمن له ميداناً لحركته دون ضغوط ولا موانع أو حواجز وعوائق، والأمر يحتاج لإزاحة كل ظلم واستبداد يمنع حرية حركة الداعية، وهذا ما قام به المسلمون عند بدايات الدعوة حيث حاربوا المشركين، وكل طاغية يعوّق الحريات الدينية.

 

كما أن الحرية الدينية في الأصل القرآني مؤمنة لكل شخص كي يبدي رأيه عند المجالس الشوريّة، وليقدم النصح حين يكون ذلك مطلوباً.

 

الشورى لا تكون دون مناخ من الحريات، وإلا لا جدوى منها إن رُفعت شعاراً وكان القمع سائداً، فلا شورى بلا حرية، وإذا كانت الشورى أصل راسخ في الإسلام قرآناً وسنّة فإن الحرية ملازمة لها. ولولا ذلك لما كانت إحدى السور بهذا الاسم: "سورة الشورى". وللتأكيد على مكانة الشورى فقد وردت في آية من السورة، وموقعها بين ركنين من أركان الإسلام هما الصلاة والزكاة. قال الله تعالى: {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون.}[5]

 

وقد جاء عن أحد المعاصرين عرض جميل للإرتباط بين الشورى والحرية، فيما يلي: "إن بناء مجتمع الشورى في الإسلام يبدأ من الفطرة الإنسانية، حيث يولد الأفراد أحراراً، يملكون مصيرهم ويمارسون حرياتهم الذاتية لكنهم في إطار المجتمع يتشاورون في ما بينهم في جميع شؤونهم العامة، وخاصة ما يتعلق بإقامة سلطة تمثّلهم فالحرية في الإسلام فطرة سابقة على السلطة التي يكون الوصول إليها عن طريق الشورى، والشورى قناة تصل الحريات الفطرية المحركة للفرد بالسلطة المنظمة للمجتمع، وتحفظ التوازن بينهما، فالفرد كالمجتمع كلاهما عنصر أساسي في الشورى لا يمكن تجاهله أو إذابته من أجل العنصر الآخر."[6]

 

التعبير من خلال الشورى هو الذي يؤكد أن الإنسان حرّ يقول ما يريد قوله، وكلامه موجه للفرد والمجتمع بتوازن حيث التعبير الجماعي يراعي التعبير الفردي والعكس صحيح.

 

وقد جاء النص القرآني يبيّن ذلك في أكثر من موقع منها قصة بلقيس مع قومها حيث جاء النص حواراً بلسانها ولسان قومها في قوله تعالى: {قالت يا أيّها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون * قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين * قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلًة وكذلك يفعلون.}[7]

 

لقد دار الحوار هنا من منطلق الشورى فبلقيس تعطي الحرية لقومها كي يقولوا رأيهم، ويقرروا وهي ستقبل ما يشيرون به، والقوم يصفون حالتهم وإمكاناتهم، ويفوضون الأمر لها لتقرر ما تراه مناسباً، وبلقيس قدمت لهم ما يجعلهم يقبلون بأن تذهب إلى سليمان عليه السلام لأن ترك الأمر حتى يدخل بلادهم مع جنده قد تجلب لهم الذّل. هكذا كان الحوار وتبادل أسس حقّ الاختيار، وهو شكل من أشكال الشورى.

 

أما تفسير القرطبي فقد ذهب إلى ما يؤكد الاتجاه نفسه في عرض معاني هذه الآيات من سورة النمل، وجاء عنده:

 

"أخذت في حسن الأدب مع قومها، ومشاورتهم في أمرها، وأعلمتهم أن ذلك مطّرد عندها في كل أمر يعرض، يقولها: {ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون.} فكيف هذه النازلة الكبرى، فراجعها الملأ بما يقرّ عينها، من إعلامهم إياها بالقوة والبأس، ثمّ سلّموا الأمر إلى نظرها؛ وهذه محاورة حسنة من الجميع... في هذه الآية دليل على صحة المشاورة. وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وشاورهم في الأمر.}[8]، إما إستعانه بالآراء، وإما مداراة للأولياء. وقد مدح الله تعالى الفضلاء بقوله: {وأمرهم شورى بينهم.}[9]، والمشاورة من الأمر القديم وخاصة في الحرب، فهذه بلقيس امرأة جاهلية كانت تعبد الشمس {قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون} لتختبر عزمهم على مقاومة عدوّهم، وحزمهم فيما يقيم أمرهم، وإمضاءهم على الطاعة لها، بعلمها بأنهم إن لم يبذلوا أنفسهم وأموالهم ودماءهم دونها لم يكن لها طاقة بمقاومة عدوها، وإن لم يجتمع أمرهم وحزمهم وجدّهم كان ذلك عوناً لعدوهم عليهم."[10]

 

فالشورى مع حرية إبداء الرأي، وحرية التعبير ولدت الثقة بين بلقيس وقومها فارتاحوا للأمر، وأبلغوها بقدراتهم وطاقاتهم على المواجهة، وهذا أمر في الإسلام جاء القرآن الكريم يبينه ليكون تعليما لكل حاكم ولكل ذي مسؤولية، وأنه عليه توليد مناخ من حرية الرأي مع الشورى كي يندفع قومه لمواجهة النوازل والاستحقاقات، وهذه من محاسن إشاعة جو حرية التعبير، وبدونها تختلف الأمور، وتكون النتائج غير مرضية.

 

والشورى ينبني عليها أمر النصح، وفي الحديث النبوي الشريف: "عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم."[11] وأئمة المسلمين هم الأمراء والحكام والعلماء؛ أي المتقدمون في الناس.

 

وهذه النصيحة لا يقدمها إلا من شعر بالأمان عند الكلام وأن له حق التعبير، ولا يسمع النصيحة إلا من آمن بحق سواه في إبداء الرأي حيال ما يفعل أو يقول. وقبل الحديث والسّنّة النبوية جاء القرآن الكريم يرسخ هذه القاعدة؛ قال الله تعالى: {وأنصح لكم.}[12] و{وأنا لكم ناصح أمين.}[13]

 

إن النصيحة لا يقدمها إلا إنسان يتمتع بحق التعبير عما في فكره بحرية ولا يقبلها الطاغية والمتسلط، وإنما من يؤمن بحق الآخرين في حرية التعبير.

 

والسنة تؤسس

وفي السّنّة النبوية تدل محطات كثيرة مع القرآن كيف كان حق التعبير مضموناً لكل إنسان مسلماً كان أم غير مسلم، وما من إنسان يحاسب لأنه أعرب عما يدور في خلده.

 

لكن حق التعبير هذا له ضوابط وآداب تحفظ حقوق الآخرين وتؤمن لهم الحماية المعنوية كما أمّنت للمتحدث حرية التعبير. من الضوابط الأساسية أن حق التعبير مضمون لمن كان صادقاً وفي كلامه لأن الصدق ضمانة للفرد والمجتمع، والكذب فجور لا تًحمد نتائجه. وقد جاء الحديث النبوي الشريف مبيناً أهمية الصدق في القول، وفيه: "عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الصدق يهدي إلى البرّ، وإن البرّ يهدي إلى الجنّة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صدّيقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذّاباً."[14]

 

إذن تكون حرية التعبير حقاً للشخص لكن بشرط أن يصدق ويتحرى الصدق، ولا حرية للكذّاب لأن تعبيره الكاذب يلقي أهل المجتمع في مستنقعات الفجور، ومهاوي الخطر.

 

ويأتي بين ضوابط حق التعبير وحرية إبداء الرأي ضوابط قيمية أخلاقية تؤمن حق الكرامة لكل الناس، فلا سخرية من أحد، ولا قال أو قيل، ولا تفاخر بالألقاب والأنساب، وقد حددت ذلك الآية الكريمة: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون.}[15]

 

فالإنسان الذي تكون له حرية التعبير لا حقّ له بأن يعيّر سواه، أو يفاخره، أو يعيب عليه لاسم أو نسب أو أي موقع، ولا يحق له أن يهزأ من غيره فما الذي يدريه ما قدر ومكانة من يسخر منه، ولو أن هذه الضوابط اعتمدت في أساليب التعبير لارتاح مجتمع الأمة من كثير من المشكلات.

 

كما أن المسلم المأمور بالدعوة، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، عليه عندما يخاطب غير المسلمين أن يلزم آداب الحوار والخطاب، وقواعد حق التعبير فلا يتناول معتقدات الآخرين وشعائرهم بسوء كي لا يردّوا عليه فيكون ذلك سبيلاً لهم للتطاول على الذات الإلهية أو على الإسلام. قال الله تعالى: {ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله فيسبّوا الله عدواً بغير علم}[16] فالمسلم الذي يسبّ أصناماً أو أوثاناً أو مظاهر طبيعية يعبدها بعضهم يكون قد استدرجهم الى التفوّه بكلمات وألفاظ غير مقبولة بحق الله تعالى، ويكون السبب ما قاله وعبّر به هذا المسلم.

 

إن الحوارات التي وردت في النصوص القرآنية، والتي تناولت أموراً عديدة منها ما كان في العقيدة، ومنها ما كان حول النبوة، ومنها ما كان حول أمور حياتية تشريعية، وفي كل ذلك كنّا نجد النص القرآني يعرض عقائد الآخرين وأطروحاتهم، ومن ثمّ يأتي دور الرد والتنفيد، وما ذلك إلا دليل قوة وثقة، وبالتالي فإن واجب المسلم ألا يخاف فكر مضاداً، أو أباطيل وترّهات يقولها بعضهم لأنه يملك من قوة الإيمان، وبلاغة البيان، والحجج ما يمكنّه من الرد بالقول والبرهان دونما انفعال لأن الانفعال يؤشّر إلى ضعف الحجة، وقلة الحيلة العلمية، وإلى النقص في المعارف.

 

وهناك طرح مفيد لأحد العلماء المعاصرين يقول فيه: "إن القرآن يطرح الفكر المضاد من موقع الثقة بفكره، بحيث يختزن في داخله الإيحاء بقدرته على مواجهة ذلك الفكر على مدى التاريخ، فلا يخاف من أية سلبية تتصل بشخصية الرسول، أو مسألة القرآن لأنه يملك العناصر المتحركة في مقابل ذلك.

وهكذا هي المسألة، في أي فكر يطرح نفسه لقيادة الحياة فإن إحساسه بالقوة يجعله بعيداً عن عملية اضطهاد الفكر الآخر، لأن الاضطهاد يتحرك من موقع ضعف وخوف من قوة الآخر، لا من موقع إحساس بالقوة، لأن الفكر يواجه الفكر بوسائله لا بالوسائل المادية الضاغطة."[17]

 

يوجه هذا الكلام المسلم إلى واجب هو تحصيل المعارف والعلوم، وامتلاك الحجج كي يتمكن من مناظرة الآخرين إظهاراً للحقيقة، ومن مجادلتهم بالتي هي أحسن كي يستميلهم، ويستقطبهم إلى دائرة الإسلام، وكلما كان مخزونه المعرفي غنياً كان المسلم أكثر قوة وقدرة على التعبير، وبالتالي فحرية التعبير تحتاج هذه المقومات وغيرها كي تكون في الطريق السليم.

 

وحرية التعبير ضرورة للفرد والمجتمع، وواجبة على صاحب المسؤولية ومن يملك الإمكانات لأن من يسكت عندما يكون الموقف حاجة، ومن يصمت وهو قادر على جلاء حقيقة، أو رفع تهمة، أو إزهاق باطل يكون آثماً لذلك نقول: إذا كان هناك من قال: التفكير فريضة، فإننا نقول بالمقابل: إبداء الرأي فريضة، وإشهار الحقيقة فريضة؛ أي التعبير الحر فريضة.

 

تأسيساً على ما تقدم يكون الموقف في حرية التعبير هو: "إن حرية الرأي ليست حقاً للمرء فقط بل هي واجبة عليه، فالإسلام يعطيني هذا الحق وفي الوقت نفسه يحمّلني واجباً هو أن أستغل هذا الحق ولا أعطّله. وحرية الرأي ليست من نوع الحقوق التي تبيح لصاحبها أن يستخدمها أو لا يستخدمها... فلا يجوز لصاحب هذا الحق أن يوقف استخدامه أو يعطله، فتعطيله فيه مساس بالصالح العام للمسلمين، فمن لا رأي له تجاه قضايا المسلمين وأمورهم يعد بمصداقية حديث رسول الله غير مسلم، وتسقط عنه عضوية الجماعة المسلمة والانتساب إليها."[18] والحديث المشار إليه هو: "من لم يهتمّ بأمور المسلمين فليس منهم."

 

بناء عليه يكون التعبير عن الرأي في مسألة ما، أو إعلان الموقف حول أمر أو نازلة من النوازل واجباً على الإنسان المسلم لأن من يكتم حقاً يعرفه يكون قد فتح طريق الباطل. قال الله تعالى: {ولا تلبسوا الحقّ بالباطل وتكتموا الحقّ وأنتم تعلمون.}[19]

 

إن حقّ التعبير إذن هو حقّ من جهة صاحبه، وهو واجب من جهة مصلحة المجتمع والناس كافة، وهذا أمر يجعل هذا الأمر أمر حرية التعبير من الأمور المهمة، والتي تلعب دوراً أساسياً في التصحيح و إظهار الحق، وبيان الحقيقة، ونشر الصلاح، وقول كلمة الحقّ شكل من أشكال الجهاد في المفهوم الإسلامي لأن الجهاد قول مبني على القناعة، وموقف فيه جرأة يتبع ذلك فعل وتنفيذ.

 

يبقى أمر يحتاج موقفاً هو ظهور مواقف إلحادية أو فيها أباطيل وتجديف، أو هي مفتريات ضدّ الإسلام فإن هذه الموضوعات إذا تمت مواجهتها بالحظر والحملات الإعلانية والإعلامية، أو بإصدار فتاوى متسرِّعة قد تحولها إلى أمور مطلوبة، ويتهافت القرّاء، أو الفضوليون على السعي للحصول عليها. وهناك إشارة قرآنية في ضرورة الإعراض عن الجاهلين، وعدم الرد على خطابهم، وذلك في قوله تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً.}[20]

 

إنّ الكتاب أو المطبوعة التي يصدر بحقها حظر تصبح مطلباً، وفي ظروف الضغط انتشرت أفكار كثيرة ما كان لها أن تنتشر بهذه القوة لو تمّ التعامل معها بالإهمال والترك، أو لو تمت مواجهتها بهدوء دون ضجيج، وقال أحد المعاصرين في هذا الموقف: "إن أفضل طريقة لمحاربة أي فكر هي إهماله وممارسة أجواء اللامبالاة تجاهه، مع محاولة ردّه بطريقة هادئة عندما تكون هناك حاجة للرد، باعتبار أن كثيراً من الناس قد لا يسمعون به، أو لا يعرفونه، فلا يثير لديهم أي تساؤل أو اهتمام فضلاً عن الردّ والمواجهة."[21]

 

تمييز واجب

يحتاج هذا الموضوع إلى التمييز بين عدّة أوجه لمثل هذا الموقف هي:

 

1- الخطاب الدعوي: والتعبير فيه واجب لما مضى في هذا البحث وهو في قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير.... الآية}، وهنا الواجب أن يكون التعبير الدعوي ليناً مقروناً بالحكمة، والكلام الذي يطيّب نفس المتلقي ويستميله ولا يصحّ أن يكون الكلام فظاً ينفر الناس، وقد جاء البلاغ الإلهي في الأمر لموسى وهارون عليهما السلام بأن يتوجها إلى فرعون الطاغية بالقول اللين علّ ذلك يؤثّر في نفسه، ويجلبه إلى عقيدة التوحيد، وفي قوله تعالى: {اذهبا إلى فرعون إنّه طغى. فقولا له قولاً ليّناً لعله يتذكر أو يخشى.}[22]

 

وإذا كان الخطاب الليّن مطلوباً مع فرعون فإن هذا تذكير لبعض القساة المتنطعين الذين يعتمدون التعنيف والتنفير مع المسلم الذي لا يوافقهم الرأي أو الموقف الفقهي، وهؤلاء لا يصلحون لمخاطبة المسلم فكيف يكون الحال لو خاطبوا غير المسلم.

 

2- الخطاب المقاوم: وهذا يكون في حالة العدوان على الأمة، وهنا لا بدّ من التعبئة والتحريض تمهيداً لحشد الطاقات من خلال صناعة الرأي العام الذي يستشعر خطر العدوان أو الاحتلال للأرض والمقدسات، وفي الوقت عينه يحضّ الخطاب أهل الأمة على القيام بالواجب الدفاعي والمقاوم كلّ حسب موقعه وإمكاناته دونما حسابات لموازين القوى ولقدرات الأعداء فالأمر قرار تسبقه نيّة وإرادة. قال الله تعالى: { يا أيّها النبي حرّض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون.}[23]

 

3- الخطاب الإعلامي: إن الإعلام يبدأ من الحوار بين شخصين إلى شتى الوسائل من المطبوع إلى المسموع إلى المرئي إلى المعرض والمحاضرة والمهرجان والتظاهرة إلى سائر وسائل التعبير و أساليبه إلى شبكة المعلومات الدولية إلى غير ذلك من وسائل نقل المعارف والفنون، ففي كل هذا يحتاج الأمر إلى حرية التعبير مع المسؤولية أي الاقتصاد في الكلام مع مراعاة القيم، والممنوع والمسموح، وتحديد المسائل القابلة للإعلان والأخرى التي لا يصح إعلانها كالخطط العسكرية، أو المعلومات الأمنية، أو الأسرار العائلية.... الخ، فهذه أمور لا يحق لأحد استباحتها بحجة حرية التعبير؛ لأن "حرية الرأي، وحرية التعبير عنها بأية وسيلة مشروعة، ولكن إذا أدت هذه الحرية إلى تهديد أمن المجتمع وسلامته، أو إشعال نار الفتنة فإنه لا بدّ من وضع القيود عليها. فالآراء التي يترتب على نشرها أو إذاعتها تهديد سلامة وحدة الصفّ الإسلامي؛ أو تلك التي تدعو للافتئات على السلطة العامة."[24]

 

لا بد من وقفها لأن أحداً لا يحقّ له تحت ستار الحقّ الشخصي بالتعبير أن يهدد المجتمع بأكمله، فالحقّ الفردي مصان ما دام ضمن سياق الحق العام، وإذا تُركت حرية التعبير بلا ضوابط أصبحت ضرباً من الفوضى.

 

4- الخطاب التربوي: إن التربية من قبل الوالدين، أو الأساتذة، أو من هم في مقام التوجيه للجيل عموماً خاصة العلماء ورجال الدين، إنما هي خطاب كبير الأثر لأن المجتمع عماده أجيال صالحة، والصلاح قاعدته تربية تلتزم منظومة القيم النابعة من جوهر الهدي الديني، ومن ذلك مربون يشكلون القدوة بالسلوك والفعل قبل القول وإطلاق النظريات.

 

فأجيال الأمة من فتية وشباب أمانة في ذمة الكبار من المربين ولا بد من حفظ الأمانة في أشكال من الخطاب المسئول كي تكون هذه الأجيال نبتاً طيباً يعجب الزّراع، ويؤمن أشخاصاً ينهضون بمهمة تحقيق مجتمع أرقى.

 

5- بين الفكر والتعبير: يحدثك بعضهم عن حرية الرأي ويربطه بحرية التعبير، والحقيقة أنه لا تطابق بين الرأي والتعبير، فالفكر والرأي المكون عند الشخص شيء، وما يعبّر به أو عنه شيء آخر. والفصل بين الرأي وهو القناعات الفكرية وبين التعبير يعود إلى سببين:

 

أ-    القصور في التعبير، والعجز عند الشخص حيث نجد الإنسان في مواقف كثيرة بسبب الانفعال، أو المرض، أو الضعف في المخزون المعرفي واللغوي عاجزاً عن الإعراب عن كل ما يدور في ذهنه من أفكار فيخونه اللسان أو أساليب التعبير الأخرى كالفنون والرموز والإشارات.

 

ب- القوانين والظروف المحيطة: وهذا أمر ليس لأحد القدرة على تجاوزه، فكل إنسان عاقل عندما يريد إعلان موقف، أو رأي لا بد له من الدراية والعلم بما هو سائد في مجتمعه، وبالتالي الالتزام به إن كان ذلك قوانين وتشريعات دينية أو دستورية، أو أعراف، أو خصوصيات لآخرين يجدر به أن يراعيها كي لا يصطدم مع من يحيطون به. فلو أن إنساناً مسلماً يقيم في حيّ أو بلدة كل سكانها من الهندوس الذين يقدسون الأبقار يكون واجبه أن يحترم مشاعرهم فلا يأتي بواحد من البقر ليذبحه على قارعة الطريق، وهكذا الأمر في شؤون حياتية وعقدية وتشريعية، وإلا اصطدم الإنسان بمحيطه أو بسلطات البلد الذي يقيم فيه، وهذا ليس من الحكمة، ومثل هذه الحرية التي لا تجلب المضارّ ولا جدوى منها تحتاج إلى تقنين وضبط، وكبح جماح، والخلاصة هي: إنه من غير الممكن ولا الجائز أن تكون حرية التعبير أو التصرف طليقة من الحدود والقيود.

 

الإعلام وحرية التعبير

تطرح مسألة حرية التعبير كأكثر ما تطرح في موضوع الإعلام بكلّ أنواعه حيث نجد شكاوى كثيرة تثار في بعض المجتمعات من تعسّف السلطات في وقف برنامج أو ندوة، أو منع تظاهرة أو معرض، ومصادرة كتاب أو مجلة أو صحيفة، وإقفال منتدى أو محطة إذاعية أو تلفزيونية،هذا عدا الرقابة على الهاتف والمراسلات بما في ذلك البريد الالكتروني، إن هذه الشكاوى مطروحة في دول العالم قاطبة ويحتاج الأمر لمعالجة وعناية سواء من قبل المؤسسات الحكومية الرسمية، أو من قبل المؤسسات الأهلية من اتحادات ونقابات وجمعيات وهيئات، وذلك من أجل وضع حدود بين حرية الفرد ومصلحة المجتمع من جهة، ومن ثمّ حق التصرّف والممارسة بين الحاكم والمواطن، كل ذلك بغرض توفير المناخ الذي تتحقّق فيه كرامة الإنسان من جهة والمصلحة العامة للمجتمع من جهة أخرى، وتحترم فيها القوانين والأنظمة من جهة ثالثة.

 

لقد عملت هيئة الأمم المتحدة على دراسة الأمر وتقرير المناسب بشأنه فكان النص التالي :[25]

 

" المادة التاسعة عشرة:

1-   لكل فرد الحقّ في اتخاذ الآراء دون تدخل.

2-   لكل فرد الحق في حرية التعبير، وهذا الحق يشمل حرية البحث عن المعلومات أو الأفكار من أي نوع واستلامها ونقلها بغضّ النظر عن الحدود وذلك إما شفاهة أو كتابة أو طباعة وسواء كان ذلك في قالب فنّي أو بأيّة وسيلة أخرى يختارها.

3-   ترتبط ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة (2) من هذه المادة بواجبات ومسؤوليات خاصة. وعلى ذلك، فإنها قد تخضع لقيود معينة ولكن فقط بالاستناد إلى نصوص القانون، والتي تكون ضرورية:

أ-   من أجل احترام حقوق أو سمعة الآخرين.

ب- من أجل حماية الأمن الوطني أو النظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق."

 وكان قد سبق ذلك نص آخر فيه:[26]

 

"-المادة التاسعة عشرة:

 

 لكل شخص الحقّ في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتليقها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيّد بالحدود الجغرافية.

 

-المادة السابعة والعشرون:

 

1- لكل فرد الحق في أن يشترك اشتراكاً حرًّا في حياة المجتمع الثقافية وفي الاستمتاع بالفنون والمساهمة في التقدّم العلمي والاستفادة من نتائجه.

2- لكل فرد الحق في حماية المصالح الأدبية والمادية المترتبة على إنتاجه العلمي أو الأدبي أو الفني."

 

هذه النصوص التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة وهي قليل من كثير غير محترمة، ولا يخفى على أحد سيف اللاسامية المسلط في الغرب حيث يتعرض كل دارس موضوعي مع نظرة نقدية للصهيونية أو ليهود وتاريخهم للاتهام بالعداء للسامية، وقد تجري محاكمته كما جرى للمفكّر الفرنسي روجيه غارودي يوم أصدر كتابه المعنون: "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية"، ومن هذا القبيل ما صدر من قوانين في الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001م حيث استبيحت حرمات البيوت والبريد والمراسلات بأنواعها ووسائلها مع الملفات الشخصية في الجامعات والدوائر وكل المواقع يضاف إلى ذلك ما عُرف بقانون الخداع الإعلامي (الكذب)، والحروب الإستباقية، والضَغط على الدول لقمع كل بارقة حرية لا توافق السياسة الأمريكية تحت شعار هو: محاربة الإرهاب.

 

والسؤال الكبير: أين الحريات العامة وحرية التعبير في ظلّ مثل هذه المناخات؟!.. لقد قيل قديماً: "الإعلام نصف المعركة"؛ واليوم يصح القول: إن الإعلام في المعارك، وفي المواجهات، وفي الاقتصاد والإعلان، وفي التربية، وفي صناعة الرأي العام... الخ، أكثر من نصف المعركة بكثير لذلك دخل الموضوع في دائرة الاهتمام عند الدول والمؤسسات، واستثمرت فيه كميات كبيرة من الجهد والمال.

 

وإذا انتقلنا إلى دائرة الأمة العربية والإسلامية، وإلى دائرة الدورة الحضارية الإسلامية فإن الواجب يفرض العناية بالإعلام والتعبير والحرية في الميادين كافة، وعبر الوسائل كلها والمتاح منها خصوصاً. والمشروع الإعلامي في دائرتنا يستلزم " أن يُدرس الماضي وأن يتمّ فهم حال واقع الأمة الحاضر، وأن يطّلع الإعلاميون وقادة الرأي على أفكار الآخرين، وعلى مشكلات العصر، والتحديات المطروحة أمام الأمة هذا إضافة إلى المعرفة الدقيقة بما يسود الأمة من قيم وعقائد، بعد كل هذا تُبنى منظومة حركة إعلامية هادفة تكون في خدمة الأمة لا على حسابها، وتعمل بالنهوض الأمة لا على تكبيل حركتها لمنعها من السعي إلى مستقبل أرقى.

 

نصل إلى القول: "إن صناعة الرأي العام يجب أن ترتكز على الفعل الإيجابي لا على رد الفعل، ويجب أن تعتمد التفكير الهادئ والأسلوب الرصين لا الانفعال والغضب والعشوائية.

 

إن تاريخ الأمم والشعوب لا يجوز أن تسوده ردات الفعل المخزية، ومصالح الشعوب ليست دمى أطفال يعبث بها الباحثون عن مصالح ذاتية، وإنما الأمر يستلزم دراسة متأنية تمهيداً لصياغة مشروع أهداف يتناسب مع مقومات الشخصية الحضارية للأمة ويحقق مصالحها، بعد ذلك يتمّ شرحه للناس بالاعتماد على وسائل الإعلام، فإذا ما تمّ ذلك تتبعه عندها حركة الشعب بأكمله باتجاه تحقيق أهدافه."[27]

 

إن الرسالة الإعلامية التي تحتاج حرية التعبير عما تحمله هي تلك التي تلتزم ما سبق ذكره أما الرسالة الإعلامية المنفعلة أو المنبهرة؛ المنفعلة من هجمات الآخرين والتي تتصرف بفئوية وعصبية، أو المنبهرة بما في الوفد من الأجنبي، فهاتان الرسالتان كلاهما لا تصلحان لتكوين الرأي العام لا بد من تقييدهما ومحاصرة دورهما، أما الرسالة الإعلامية التي تنطلق من عقيدة الأمة ودينها وشريعتها وقيمها فهي التي لا يجوز لأحد أن يضع عوائق في طريق نشرها وتعميمها.

 

قال الله تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون.}[28]

 

فكل من سعى في الأرض فساداً، ونشر القبائح والمعاصي بحيث تشيع الفواحش لتفسد الجيل والناس توعّده الله تعالى بالعذاب الأخروي كما أن هذا الشخص يقع عليه العقاب الدنيوي، ولعل في هذه الآية الكريمة بياناً واضحاً لآلية ضبط الإعلام ووسائله، ولوضع الحدود لحرية التعبير لأنه ليس من حرية التعبير أن يتصرف الشخص أو مجموعة على هواهم فكل نوع من الحرية ومن ذلك حرية الإعلام والتعبير – إنما يقترن بالمسؤولية، والقيم والأنظمة.

 

ويفيد هنا عرض ما قال الفقيه الزحيلي: "هذه الحرية من أهم فروع حرية الرأي والتعبير، وتشمل الصحافة والطباعة والتوزيع. وإن المهمة الأصلية للصحافة هي إعلان الأخبار السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد تطورت مهمة الصحافيين فأصبحوا يوجهون النقد للحكام، ويعالجون بعض المشكلات المهمة أو الحيوية في الدولة، من تعليم وصحة وشؤون الزواج، وانتقاد الانحراف أو الإجرام، والتحذير من المجرمين.

ولا يمنع الإسلام هذه الظاهرة، بل يستحسنها ما دامت موجهة نحو الخير والنقد البنّاء الهادف، وعلاج ظواهر الشذوذ، والترغيب في بعض الأمور الحسنة، والتنفير من القبائح، لكن بشرط مراعاة أمرين:

أولهما: الحفاظ على أسرار الدولة حتى لا تتسرب إلى الأعداء، وتكون سبباً في الإضرار والإساءة، فهذا من أوليات المحافظة على المصلحة العامة التي يرعاها الإسلام ويحرص على حمايتها وصونها.

والثاني: الكف عن ترويج الإشاعات السيّئة، وقد ندّد القرآن الكريم بمروجي الإشاعات السيئة لأنها تضعف بنية الأمة أو المجتمع، وتسيء للأفكار والأعمال والسلوكيات."[29]

 

حرية التعبير من خلال الصحافة بأنواعها، والنشر بأنواعه، والوسائل والتقنيات بأنواعها كلها مطلوبة شرط أن تكون الرسالة الإعلامية ضمن الضوابط والإحكام والأنظمة. فالعبرة في الرسالة وليست في الوسيلة.

 

تأسيساً على ما تقدم يمكننا أن نرسم الإطار المقبول وللرسالة المطلوبة إعلانها ونشرها دون أية قيود، وهذه الرسالة المقبولة هي التي تؤمن الأمور المحددة في هذا القول:

 

"إن الرسالة الإعلامية المناسبة هي تلك التي تخدم الدعوة الدينية من خلال التزام قيم الدين وجوهره بعيداً من التعصب، لكي تصحح المفاهيم الخاطئة السائدة بفعل بعض الانفعالات التي تظهر من هذا الفريق أو ذاك.

وكذلك يجب أن تكون الرسالة الإعلامية في خدمة قضايانا التحررية وفي مقدمها تحرير فلسطين، فللإعلام دور أساسي في معركتنا ضد أعداء الأمة. وللرسالة الإعلامية دور في الاقتصاد والتربية والأخلاق وسائر الميادين.

هذا الأمر يقودنا إلى القول بضرورة صناعة رسالة إعلامية صناعة تناسب أمتنا، وتعبّر عن قضاياها، وتنشر أهدافها، وهكذا الأمر بالنسبة لكل أمة.

إن الرسالة الإعلامية لا تستورد بل تُصنع لتقوم من خلال ثوابت الشخصية الحضارية للأمة، وإلا ستتناقض معها وعندها تكون مضرة."[30]

 

إن حق التعبير، وحرية التعبير إذاً ينطلقان من أساس هو رسالة إعلامية ملتزمة، وإذا كانت الحرية مطلوبة وهي أصل، ولكن حرية التعبير هذه لا تعني الفوضى والعشوائية، أو اتباع الأهواء، أو أن يترك الأمر لنهّازي الفرص يعيثون في الأرض فساداً بذريعة حرية التعبير، فلكل حرية ضوابطها وأصولها وقواعدها ومقاصدها، ولا تخرج حرية التعبير أو إبداء الرأي عن هذه القاعدة وتالياً لا بد لوسائل الإعلام كافة أن تراعي هذه القواعد لأنها منابر للتعبير ووسائل له.

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

 

[1] أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والطبراني والحاكم في المستدرك.

 [2] لويد، دنييس، فكرة القانون، تعريب سليم الصويص، مراجعة سليم بسيسو، الكويت، عالم المعرفة، العدد 47، محرم/ صفر 1407هـ - تشرين الثاني/ نوفمبر 1981م، ص 185.

 [3] القاضي، د. عمر المختار، الرأي والعقيدة في الإسلام، الرباط، المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (ايسيسكو)، سنة 1420هـ - 1999م، ص 73.

 [4] سورة آل عمران، الآية 104.

 [5] سورة الشورى، الآية 38.

 [6] الشاوي، د. توفيق، فقه الشورى والإستشارة، المنصورة (مصر)، دار الوفاء، ط2، سنة 1412هـ - 1992م، ص 301.

 [7] سورة النمل، الآيات 32، 33، 34.

 [8] سورة آل عمران، الآية 159.

 [9] سورة الشورى، الآية 38.

 [10] القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد، م.س.، ج16، ص 154.

 [11] خرجه مسلم في الصحيح، وأخرجه التنووي في رياض الصالحين في باب النصيحة.

 [12] سورة الأعراف، الآية 62.

 [13] سورة الأعراف، الآية 68.

 [14] حديث متفق عليه، وأخرجه النووي في رياض الصالحين، باب: في الصّدق.

 [15] سورة الحجرات، الآية 11.

 [16] سورة الأنعام، الآية 108.

 [17] فضل الله، السيد محمد حسين، تأملات في الفكر السياسي الإسلامي، طهران، كتاب التوحيد، الصادر عن مجلة التوحيد، ط1، سنة 1416هـ- 1995، ص58.

 [18] مصطفى، د. محمد يوسف، حرية ارأي في الإسلام، القاهرة، مكتبة غريب، سنة 1989م، ص 39.

 [19] سورة البقرة، الآية 42.

 [20] سورة الفرقان، الآية 63.

 [21] فضل الله، السيد محمد حسين، م.س.، ص61.

 [22] سورة طه، الآيتان 43، 44.

 [23] سورة الأنفال، الآيتان 64، 65.

 [24] طاحون، د. أحمد رشاد، حرية العقيدة في الشريعة الإسلامية، القاهرة، إيتراك للنشرة والتوزيع، ط1، سنة 1998، ص 263.

 [25] الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية التي وافقت عليها الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 17/12/1966.

 [26] الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10/12/1948.

 [27] السحمراني، أسعد، الإعلام أولاً، بيروت، دار النفائس، ط1، سنة 1415هـ - 1994م، ص 26.

 [28] سورة النور، الآية 19.

 [29] الزحيلي، أ.د. وهبة، حق الحرية في العالم، بيروت، دار الفكر المعاصر، ودمشق، دار الفكر، ط1، سنة 1421هـ - 2000م، ص 128.

 [30] السحمراني، أسعد، م.س.، ص 34، 35.

*بتصرف.. بحث قدم للدورة التاسعة عشرة لمجمع الفقه الإسلامي الدولي والمنعقدة بالشارقة

أضيف في: 2010-03-19        عدد المشاهدات: 3758
 
 
 

اضافة تعليق ...

 
 
 

التعليقات ...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عنوان التعليق: دين
الاسم: انسام
التاريخ: 2012-03-14
التعليق: حديث نبوي شريف
 ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
الموقع غير مسئول عن التعليقات التي ترد من الزائرين والرجاء أن يكون التعليق مراعيا الآداب العامة مع عدم التجريح أو الإساءة للأشخاص أو الهيئات
 
   

ضع البريد الإلكتروني هنا

 
 
هل ترى إرتداء أساتذة أصول الدين للزى الأزهرى  
  ضرورة
  مستحب
  عادى
  لا أهتم
 
Could not connect: