:: على بصيرة ::

   

الرئيسية   |   السيرة الذاتية   |   حول الموقع   |   اتصل بنا

| د. عبد الرحمن البر : حكم التظاهر بين السلمية والبلطجة | بلاغ للنائب العام | د البر حوار خاص للحياة اليوم بعد تصريحاته عن نية الرئيس محمد مرسي تحرير القدس | د عبد الرحمن البر يصحح ما نسب إليه في العراف اليهودي | توضيح وبيان | ملخص الزيارة الأولى لمحافظة أسوان

Bookmark and Share

 

معنى الحديث الموضوعي وفوائد دراسته (1)

 


معنى الحديث الموضوعي

بقلم : أ.د. عبد الرحمن البر

"الحديث الموضوعي" اصطلاح جديد شاع على ألسنة العلماء حديثا، وأطلق اسما على مادة تُدَرَّس في كليات أصول الدين بأقسامها المختلفة، وصار عنوانا للونٍ من ألوان دراسة الحديث الشريف . 

ومع ذلك فلم أجد أحداً - فيما أعلم - من الباحثين والمدرِّسين تعرَّض لتعريف "الحديث الموضوعي" تعريفا علميا ، أو لبيان فوائد الدراسة الموضوعية للسنة المطهرة، ولذا رأيت أن أبدأ هذه الدراسة الموضوعية للأدب النبوي بتعريف للحديث الموضوعي، وذكر لبعض أهم فوائد الدراسة الموضوعية للسنة المطهرة، فأقول مستعينا باللّه :

"الحديث الموضوعي" مركَّبٌ  وصفي ، يلزم تعريف جزأيه قبل تعريفه .

فالحديث في اللغة : له معنيان :

المعنى الأول : الجديد، نقيض القديم ، يقال : حدُث الشيء، بضم الدال إذا ذُكر مع " قَدُم " على الازدواج ([1]).

- ومن ذلك حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضى اللّه عنه قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ فِى الصَّلاَةِ، وَنَأْمُرُ بِحَاجَتِنَا، فَقَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَّلاَمَ، فَأَخَذَنِي مَا قَدُمَ وَمَا حَدُثَ([2])، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الصَّلاَةَ قَالَ : «إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ وَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ قَدْ أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ لاَ تَكَلَّمُوا فِى الصَّلاَةِ». فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلاَمَ([3]).

والحدوث : كون شيء لم يكن ، وأحدثه اللّه ، فهو مُحْدَثٌ  وحديث ، وكذلك استحدثه . يقال : استحدثت خبراً ، أى وجدت خبراً جديدا .

ومنه قيل لكلام النبيصلي الله عليه وسلم "حديث " باعتباره جديداً في مقابلة كلام اللّه القديم وهو القرآن الكريم .

والمعنى الثاني: الخبر، أو القصة ، أو مطلق الكلام ، ويأتي على القليل والكثير([4]).

 من ذلك قوله تعالى : [ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى] (طه 9، النازعات 15)  وقوله [ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ] (الذاريات 24)  ، وقوله عز وجل [ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ] (البروج 17)  ، يعنى أخبارهم وقصصهم

وِمن ذلك وصف القران بأنه حديث ، أي كلام ، في اَيات كثيرة، منها قوله تعالى  [ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ] (الزمر23) : .

- ومن ذلك حديث جابر بن عبد الله رضى اللّه عنهما، عن النبيصلي الله عليه وسلم قال : "إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللّه "([5]) .

وجمع حديث : أحاديث ، كما في قوله تعالى  [ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ] (المؤمنون44) وهو جمع شاذ على غير قياس . وقيل : يجمع على "حُدْثان " بكسر الحاء وضمها، والضم قليل ، وقيل : يجمع على "أَحْدثة"، على وزن أفْعلَة، ككتيب وأكْتِبة([6])

وفي اصطلاح المحدثين : ما أضيف إلى النبيصلي الله عليه وسلم من قول ، أو فعلٍ  ، أو تقرير، أو صفةٍ خِلْقيةٍ وخُلُقية . ويضيف بعض العلماء إلى ذلك: أقوال الصحابة وأفعالهم ، ويزيد آخرون : أقوال التابعين وأفعالهم ([7]) .

وقد اختُص الحديث بأقوالهصلي الله عليه وسلم في وقت مبكِّر، وذلك في حياته . وعلى لسانه صلي الله عليه وسلم

- يشهد لذلك: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ »([8]).

 وباعتبار الحديث علما فإنه ينقسم قسمين : علم الرواية ، وعلم الدراية .

أما علم الحديث رواية: فهو.علم يشتمل على أقوال النبيصلي الله عليه وسلم وأفعاله ، وتقريراته وصفاته ، وروايتها ، وتحرير ألفاظها .

وأما علم الحديث دراية : فهو علم يُعرف منه حقيقة الرواية ، وشروطها ، وأنواعُها ، وأحكامُها ، وحالُ الرواة ، وشروطُهم ، وأصناف المرويات ومايتعلق بها. أو هو القواعد المعرِّفة بحال الراوى والمروى، أو بحال السند والمتن

وأما " الموضوعي" فهو نسبة إلى "الموضوع " مأخوذ من "الوضع " ، وهو ضد الرفع ، وهو لفظ يدل على الخفض للشيء والحطِّ له ، يقال : وضعِ الشيء من يده وضعا: إذ ألقاه ، قال تعالى [فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ] (النور60)   أى يُلقين ويطرحن ثيابهن عن أجسادهن . ووضع عنه الدين أو الدم يضعه وضعا: أسقطه عنه ، وفي الحديث "ينزل عيسى بن مريم فيضع الجزية " أي يسقطها ويحمل الناس على دين الإسلام ، فلا يبقى ذمِّي تؤخذ منه  الجزية

ووضع الشيء وضعا: اختلقه ، ومنه الحديث الموضوع .

وتواضع القوم على الشيء : اتفقوا عليه .

والتواضع : التذلل ، وتواضع الرجل : ذلّ .

ووُضع الرجل في تجارته وضِعةً ووضيعةً فهو موضوع فيها ، وأُوِضع ووَضِع وضَعا: أى غبُن وخسر فيها.

ووضعت المرأة وضعا : أى ولدت وألقت جنينها .

والوضع : أهون سير الدواب والإبل ، وقيل : هو ضرب من سير الإبل دون الشد .

 والوضائع : قوم كان كسرى ينقلهم من أرضهم ، فيسكنهم أرضا أخرى، يستقرون فيها.

والوضيع : الدنىء من الناس ، عكس الشريف أو الرفيع ([9]).

وعلى ذلك فالكلمة في اللغة تعنى مطلق جعل الشيء في مكان ، سواء كان ذلك

بمعنى الحط والخفض ، أو بمعنى الإلقاء والتمبيت في المكان .

والموضوع في اصطلاح المحدثين : هو الكذب المختلق المصنوع ([10])، المنسوب كذبا إلى النبيصلي الله عليه وسلم وهو باطلٌ  لا أصل له .

وهذا المعني ليس مقصوداً هنا بالطبع.

وإنما المقصود هنا - واللّه أعلم - الأحاديث التي تعددت أساليبها وأماكنها ولها جهة واحدة يمكن أن تجتمع فيها، سواء عن طريق المعنى الواحد، أو الغاية الواحدة([11]).

وعلى ذلك يمكن تعريف الحديث الموضوعي بأنه : علم يبحث في القضايا التي تناولتهاالنصوص  والأحاديث المتحدة في المعنى، أو في الغاية، أو فيهما معا،وذلك بجمعها من مصادرها المتعددة، ووضعها في مكان واحد، والنظر فيها على هيئة مخصوصةٍ ، بشروط مخصوصةٍ ، لبيان معانيها ، واستخراج عناًصرها ، والربط بينها برباطً جامع .

فمثلاً قضية الجهاد : نقوم بجمع الأحاديث الواردة في الجهاد، ونخرِّجها من مصادر السنة المختلفة، وناخذ منها ما يصلح للحجة في بابه .

ثم ننظر فيها، لنستخرج العناصر، ونرتبها ترتيبا علميِّا منطقيا متسلسلاً، بحيث يكون الانتقال من عنصر إلى عنصر أمرا طبيعيًا ومنطقيا، حسب قواعد التأليف والبحث العلمى .

فنبدأ ببيان المقصود بالجهاد، وغاية الجهاد في الإسلام ، ثم صور الجهاد وأنواعه ، ثم أحكام الجهاد وفضائله ومراتبه ، ثم آثاره المادية والمعنوية على الفرد والأمة، ثم وسائل بث الروح الجهادية في الأمة . . . إلى آخر ما يمكن استخراجه من عناصر من خلال نصوص الأحاديث التي جُمعِت .

أما الرابطة الجامعة بين الأحاديث فهي إما أن تكون في الغاية فقط ، واما أن تكون في المعنى والغاية معا، وعلى هذا يمكن تقسيم الحديث الموضوعي إلى نوعين :

الأول : الحديث الموضوعي العام : وهو الذى بين أطراف موضوعه وحدة في الغاية فقط ، لا في أصل المعنى .

 بمعنى أن هذا الموضوع يكون له أصل في الأحاديث ، ولكن تحته قضايا كثيرة متعددة، لا يربط بينها إلا وحدة الغاية، وهي وحدة محققة حتى وان كانت بعيدة .

من ذلك مثلاً قضية الأدب ، فهي تشمل الأحاديث التي تتناول الأدب النبوي ، في قضايا متعددة، يجمع بينها أنها من جملة الأدب . انظر مثلاً في كتاب "الأدب المفرد" للإمام البخارى تجد فيه ما يقرب من ستمائة وخمسين بابا من أبواب الأدب في مختلف الأمور، ففيه أبواب متعددة في أدب بر الوالدين ، وأدب صلة الأرحام ، وأدب رعاية الأولاد ، وأدب حسن الجوار ، وأدب كفالة الأيتام ، وأدب العفو ، وأدب معاملة العبيد والخدم ، وأدب الصدقة والمعروف ، وأدب اللعب والمزاح ، وأدب حسن العشرة ، وحسن الخُلُق ، وأدب زيارة الإخوان ، وأدب رحمة الصغار، وأدب الصبر ، وأدب الصداقة ، وأدب الكلام ، وأدب عيادة المرضى ، وأدب التواضع ، وأدب الحياء ، وأدب الاستغفار والدعاء والاستعاذة ، وأدب الضيافة ، وأدب التسمِّى ، وأدب كتمان السر، وأدب الأخوة ، وما يحق للمسلم على المسلم ، وأدب الاستئذان ، وأدب المجالسة ، واْدب الذكر، وأدب الختان ، إلى غير ذلك من الآداب الكريمة .

ومن ذلك كتب "الترغيب والترهيب من الحديث الشريف " ، و "رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين " و "الزهد" وغير ذلك من الكتب التي تحوى أحاديث في موضوعات مختلفة ، تربطها غاية واحدة .

الثاثى : الحديث الموضوعي الخاص : وهو الذى يقوم على وحدة المعنى والغاية بين أطرافه وأفراده ، فتكون الرابطة بينهما خاصة وقريبة .

من ذلك كل موضوع خاص من الموضوعات التي تناولها كتاب "الأدب المفرد" على النحو السابق ، وكذلك موضوع "آداب النية والإخلاص " وموضوع "آداب المجالسة" ونحو ذلك .

ومن  ذلك كتب الإمام الحافظ أبو بكر بن أبى الدنيا الكئيرة، ككتاب : "الصمت " و "الشكر" و "التوكل على اللّه " و "التواضع والخمول "، وغيرها من كتبه وكتب غيره من مشاهير العلماء.

ومن ذلك موضوع "اليهود في السنة النبوية المطهرة" وموضوع "منهج السنة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم " ونحو ذلك .

 



([1])  انظر: الصحاح 1/278  ، والقاموس المحيط 1/164 ، وتاج العروس 1/611 .

([2])  قال ابن الأثير فى النهاية 1/351 : "يعنى همومه وأفكاره القديمة والحديثة" .

([3])  أخرجه أبو داود فى كتاب : الصلاة، باب : رد السلام فى الصلاة 1/243(924)، والطيالسى ص33(245)

([4]) انظر : القاموس المحيط 1 /164 ، وتاج العروس 1/ 611 ، وكشات اصطلاحات الفنون 2/ 13.

([5])  أخرجه النسائى فى كتاب : صلاة العيدين  ، باب : كيف الخطبة 3/188 وعند مسلم فى كتاب : الجمعة، باب : تخفبف الصلاة والخطبة 2/592 (867/43) بلفظ : "فإن خير  الحديث كتاب اللّه "

([6]) (2) انظر : القاموس المحيط 1/164، وتاج العروس 1/612، ومختار الصحاح  ص 125ممن قال بذلك : الطيبى انظر: تدريب الراوى 1/42 ، والموافقات للشاطبى 4/ 7، وانظر فى التعريف : نزهة النظر ص 18 ، وكشاف اصطلاحات الفنون 2/13 .

([7]) السابق

([8]) أخرجه البخارى فى كتاب : العلم  ، باب : الحرص على الحديث 1/193 (99)، وفى كتاب : الرقاق ، باب : صفة الجنة والنار11 /418(6570)  ، وأحمد 2/373(8858) .

 (1) انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس  617-18، الصحاح 3/1299 -1301، ولسان العرب 8/396-398، وتاج العروس 5/543-545

([10])  انظر: تدريب الراوى 1/274 .

([11])  انظر تعريف التفسير الموضوعى للدكتور عبد الستار سعيد فى كتابه االمدخل إلى التفسير الموضوعى" ص 19-20


أضيف في: 2010-09-15        عدد المشاهدات: 5805
 
 
 

اضافة تعليق ...

 
 
 

التعليقات ...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الموقع غير مسئول عن التعليقات التي ترد من الزائرين والرجاء أن يكون التعليق مراعيا الآداب العامة مع عدم التجريح أو الإساءة للأشخاص أو الهيئات
 
   

ضع البريد الإلكتروني هنا

 
 
هل ترى إرتداء أساتذة أصول الدين للزى الأزهرى  
  ضرورة
  مستحب
  عادى
  لا أهتم
قال بلال بن سعد: (لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر من عصيت)
Could not connect: