:: على بصيرة ::

   

الرئيسية   |   السيرة الذاتية   |   حول الموقع   |   اتصل بنا

| د. عبد الرحمن البر : حكم التظاهر بين السلمية والبلطجة | بلاغ للنائب العام | د البر حوار خاص للحياة اليوم بعد تصريحاته عن نية الرئيس محمد مرسي تحرير القدس | د عبد الرحمن البر يصحح ما نسب إليه في العراف اليهودي | توضيح وبيان | ملخص الزيارة الأولى لمحافظة أسوان

Bookmark and Share

 

حق الإنسان في الانتخاب

 


بقلم : د. أحمد عبد الخالق

تـوطئـــة

السياسة جزء من الدين، وليس في الإسلام ما يسمى بالفصل بين الدين والسياسة، أو بين الدين والدنيا، فهذه دعوى علمانية، ولا صلة لها بالإسلام، فالإسلام نظام شامل، يتناول مظاهر الحياة جميعا، فهو دولة ووطن، أو حكومة وأمة ، وهو خلق وقوة، أو رحمة وعدالة ، وهو ثقافة وقانون، أو علم وقضاء، وهو مادة، أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة، أو جيش وفكرة ، كما هو عقيدة صادقة، وعبادة صحيحة سواء بسواء.


ولقد كان الرسول صلي الله عليه وسلم حاكما وقائدا يسوس الدولة، ويعقد العهود مع الدول الأخرى، ويخاطب الملوك والحكام في عهده، ويستقبل الوفود من غير المسلمين، ويقرر الحرب والسلم، هذا فضلا عن كونه الرسول، الذي يبلغ عن الله تعالى، إلى غير ذلك، مما يؤكد على أن السياسة لا تنفصل عن الدين بأي حال. وآيات الحكم في القرآن كثيرة، والحكم مرتبط بالسياسة.
ثم جاء بعده الخلفاء الراشدون بالانتخاب والاختيار من الصحابة، بغض النظر عن طريقة الانتخاب، التي تمت مع كل خليفة جاء، واستحدث الخلفاء نظما للدولة لم تكن موجودة من قبل.

وهكذا كانت السياسة وإدارة الحكم، حتى استحدثت أنظمة في العصر الحديث، كمجلس الشعب، والبرلمان، ومجلس الشيوخ، أو مجلس النواب، أو مجلس الأمة، ومجلس الشورى، إلى غير ذلك من المؤسسات، التي يقوم عليها نظام الحكم في كل بلد من البلاد.
ومن المعلوم أن كل هذه المؤسسان لا يصل إليها أحد إلا من خلال الترشيح والانتخاب. وهؤلاء المنتحبون، الذين يصلون إلى هذه المؤسسات، هم الذين يتحكمون في توجيه سياسة الدولة، بدءا من اختيار رئيس الجمهورية، أو حاكم الدولة، وانتهاء بتقنين القوانين.
إذن فكل فرد من أفراد الدولة يكون له الحق والحرية في ترشيح نفسه، ما دام كفئا لذلك، وتنطبق عليه الشروط، بعيدا عن اللون، أو الفكر، أو الانتماء الحزبي. فله ترشيح نفسه رئيسا، أو عضوا في البرلمان، وله الحق في انتخاب هذا، أو ذاك. والذي منحه هذا الحق هو الإسلام قبل أن تمنحه القوانين الوضعية. ولا يحق لأحد أن يمنع أحدا من حقه السياسي، كائنا من كان.
ومن هذا المنطلق، ومن هذه الثوابت، سوف يكون الحديث حول أمرين:

الأول: حق الإنسان في الترشيح لأي منصب مناسب.

والثاني: حقه في الانتخاب.

الأول: حق الإنسان في الترشيح لأي منصب مناسب

المشاركة في العملية السياسية، حق للإنسان، وأمر واجب عليه، باعتبار السياسة من الدين، سواء كانت هذه المشاركة بالترشيح لمنصب ما، أم كانت المشاركة بانتخاب أحد المرشحين. فكيف يكون ذلك في الوقت، الذي ينادي فيه العلمانيون بفصل الدين عن السياسة، وتنادي فيه بعض الجماعات، بأن الخوض في السياسة، ودخول البرلمانات، هو لون من العبث وتضييع للوقت، وأخرى تقول: ليس من منهاجنا الخوض في السياسة. وهكذا.! فهل للمسلم أن يرشح نفسه؟ أو يرشح غيره؟ وكيف يكون التصرف في مثل هذه الأمور في العصر الحديث؟
أما من ، حيث ترشيح نفسه من الناحية الشرعية لأي منصب، أو وظيفة في الدولة، فالظاهر أنه لا يجوز، وذلك لما فيه من تزكية للنفس. والله تعالى يقول: (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) ولما جاء في حديث عبد الرحمن بن سمرة، حيث: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم [يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها، فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير .

وفي رواية فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك والترشيح يتضمن طلب المنصب، أو الوظيفة. وهذا من الناحية الشرعية غير جائز. أما كون المسلم يرشح غيره ويزكيه، فهذا لا حرج فيه ولا إثم على فاعله، وهو مما ورد في القرآن على لسان ابنة الرجل الصالح، عندما رشحت سيدنا موسى للعمل عند أبيها. قال الله تعالى: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) فقد رشحت موسى عليه السلام عندما وجدته يتمتع بمواصفات تتفق مع طبيعة العمل الموجود عندهم، وذلك بعد اختبارٍ لقوته وأمانته.
وأما عن الصحابة رضوان الله عليهم، فقد ورد عنهم كيف تم اختيار الخلفاء بعد وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم فقد روت كتب السيرة: أن أبا بكر رشح في اجتماع سقيفة بني ساعدة عمرَ ابن الخطاب، أو أبا عبيدة بن الجراح، لخلافة رسول الله فرفضا ذلك، وقاما بترشيح أبى بكر ، ولم تصح خلافة أبى بكر، إلا بعد البيعة العامة في المسجد، وهو ما يعرف الآن بالاستفتاء العام. فإرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم.
وعندما أشرف أبو بكر على الوفاة، استشار الصحابة في ترشيح عمر للخلافة، وهذا الترشيح لم يكن إرغاماً للأمة على تولي عمر أمر الخلافة من بعد أبى بكر، بل هو مجرد ترشيح فقط. والدليل على ذلك، أنه قال للناس بعد ترشيحه لعمر:" أترضون بمن أستخلف عليكم، فإني لم أستخلف عليكم ذا قرابة." وهذا يدل على أن الترشيح لا يعنى تولى الأمر، وإنما العبرة بالبيعة العامة للناس.
ولما طُعن عمر رشح لخلافته ستةً من المبشرين بالجنة، وأوكل إليهم، كممثلين للأمة أن يرشحوا واحداً منهم للخلافة، وحدث أن قام عبد الرحمن بن عوف في اجتماع عام في المسجد بترشيح اثنين من الستة، وهما علي بن أبى طالب، وعثمان بن عفان. وقال: على مسمع من عامة المسلمين: ( يا علي، عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله ) .

فقال علي : ( أرجو أن أعمل بمبلغ علمي وطاقتي ) ، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف عثمان وقال له: مثلما قال لعلىّ . فقال عثمان: نعم. فأقبل الناس يبايعون عثمان بيعة عامة في المسجد. وهذا النظام تسير عليه أحدث الأنظمة في تطبيق الديمقراطية، حيث يقوم الحزب بترشيح من يراه مناسباً، أو تقوم أحزاب بترشيح عنها مجموعة من الأفراد لتولى منصبا ما ، ثم في النهاية يعرض الأمر على عامة الشعب، ليختار واحداً منهم.


حكم الترشيح في وقتنا الحاضر؟

"وإذا كان ترشيح الشخص نفسه لا يجوز ، كقاعدة عامة، ولكن إذا رقضت به الضرورة، أو المصلحة الشرعية جاز. ولا خلاف أن الأمور تعقدت في وقتنا الحاضر، واتسعت وما عاد بالإمكان معرفة الأمة للأكفاء، حتى تنتخبهم، ولما كان تولي هؤلاء مناصب الدولة في غاية الأهمية، حتى يساهموا في إدارة شؤون الدولة، وفق الشرع الإسلامي، فإن ترشيح الكفء نفسه، يعتبر من قبيل الدلالة على الخير، ومن قبيل إرشاد الأمة وإعانتها على انتخاب الأصلح، لتحقيق المطلب المهم، فيجوز.
وقد نستأنس لرأينا بقول الله تعالى على لسان يوسف عليه السلام: ( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) وما طلب يوسف عليه السلام المنصب لذاته، ولكنه طلبه، ليحقق أغراضا مرضية عند الله تعالى.


إذن، فقد أقر الإسلام حق الإنسان في ترشيح نفسه، لتولي منصب يجد في نفسه الكفاءة، لهذا المنصب. ومن حق الإنسان أن يرشح غيره، - بل من الواجب عليه- حين يجد فيه الكفاءة المناسبة لمنصب معين. والدال على الخير كفاعله.
كيف تكون الدعاية للمرشح؟


وإذا جاز الترشيح في وقتنا الحاضر للضرورة، فلا يجوز لمن رشح نفسه، أن يقوم بما يسمى بالدعاية الانتحابية، التي يقوم بها المرشحون من مديح لأشخاصهم وتنقيص غيرهم، وإنما يجوز للمرشح، أن يعرف نفسه للناخبين، ويبين لهم فكرته ومنهاجه في العمل، والبرنامج، الذي سوف يتبناه، والإنجازات، التي سوف يريد تحقيقها، أو المتوقع تحقيقها. ولا يزيد على ذلك.
حق الترشيح حق مكفول شرعا وقانونا.


لقد رأينا موقف الشرع من الترشيح، ونرى الآن موقف القانون منه، فقد جاء مشروع ميثاق حقوق الإنسان والشعب في الوطن العربي، ليؤكد على هذا الحق، الذي سبقه إليه الإسلام. فقد جاء في المادة: 33 ما يلي:
لكل مواطن الحق في أن تتاح له فرصة التمتع بالحقوق التالية:
1 - أن يشارك في إدارة الشؤون العامة، إما مباشرة، وإما بواسطة ممثلين يختارون في حرية.
2 - أن ينتخِب، وأن ينتخَب في انتخابات نزيهة، تجرى دوريا بالاقتراع العام، وعلى قدم المساواة بين الناخبين، وبالتصويت السري، تضمن التعبير الحر عن إرادة الناخبين.
3 - أن تتاح له على قدم المساواة فرصة تقلد الوظائف العامة في بلده.

الثاني: حق الإنسان في الانتخاب

أ - الانتخابات طريق الإصلاح.
الإصلاح، يكون باستبدال المصلح بالمفسد، فهو كشأنه من الأمور الأخرى يحتاج إلى عملية تخلية وتحلية، وإبدال وإحلال. قم بإزالة العضو الفاسد، وضع مكانه العضو الصالح، حيث إن بقاء الجزء المعطوب، سوف يؤثر سلبا على باقي الجسد، فإن لم يتم ذلك، فسوف ينتشر الفساد، حتى يموت ذلك الجسد إطلاقا، وساعتها لا ينفع الندم.
والانتخابات، تعتبر وسيلة سلمية، يتم من خلالها الإصلاح لمؤسسات الدولة، بدءا من أعلى مستوى، وانتهاء بأدناه، وذلك باختيار أفراد صالحين، للقيام بالمهام، التي توكل إليهم، من حيث الخبرة والتجربة، والعلم والأمانة، ويتم ذلك من خلال الاقتراع الحر النزيه، دون تدخل من السلطة الحاكمة، بمنع الناخبين، أو تزوير إرادة الجماهير لصالح أحد المرشحين، وإلا فإن ذلك يعد تدليسا، ويكون مثله كمثل مريض يحتاج إلى بتر جزء من أجزائه، فيحاول تحسين صورة هذا الجزء، وإخفاء مظهر المرض. حتى لا يبتر، وإذا به فجأة يجد المرض قد عم جميع بدنه، فيهلك.
نحن في زمن، يتحكم فيه الصوت في صياغة أي قرار سلبي، أو إيجابي، فهو الذي يتحكم في وصول المفسدين، أو المصلحين إلى سدة الحكم، وهو الذي يجعل الأغلبية للمصلحين، أو المفسدين، ولذلك فقد وجب على جميع فئات المجتمع أن يخرجوا للإدلاء بأصواتهم لمن يرون فيه الكفاءة، والصدق والأمانة، والقدرة على التغيير، والعلم الذي يؤهله لأن يقنن ما يتفق مع شرع الله تعالى.
إن الانتخابات وسيلة سلمية، لإصلاح جميع مؤسسات الدولة، واختيار من يحكم في أي مستوى من المستويات، حق الشعب، منحهم الله إياه. ولا يجوز بأي حال من الأحوال لأي سلطة، أن تمنع الناس من التمتع بكامل حقوقهم، التي منحوا إياها شرعا وقانونا. لا يجوز للسلطة، أن تحول بين الناخبين وبين من يريدون اختياره، لا يجوز للسلطة، أن تزور إرادة الناخبين، فتأتي بمن تشاء، وتفرض على الشعب من لا يهواه، متجاهلة بذلك الشعب كله، متحكمة في إرادة الإنسان.
إنه لن يكون هناك إصلاح في عصرنا هذا، إلا من خلال الانتخابات وليس الانقلابات.! ومن هنا كانت أهمية الصوت، والمحافظة عليه، والحرص على أن لا يعطى إلا لمن يستحق. فلا يباع ولا يشترى، ولا يجامل به أحد، ولا يهمل. فصوتك للحق أمانة، صوتك دانة، تدك عروش الطغيان.
ب – وجوب الإدلاء بالصوت.
الإدلاء بالصوت واجب شرعا، لأنه شهادة، وعندما أعلن عن الانتخاب، فقد دعيت للإدلاء بشهادتك. وفي هذه الحالة، يكون أمامك خيارات ثلاثة. الأول: أن تشهد الحق، فتختار من تراه صالحا للقيام بهذه المهمة. الثاني: أن تشهد الزور، فتبيع ضميرك وتبيع آخرتك بدنيا غيرك. الثالث: أن تمتنع عن التصويت. أما الثاني والثالث – شهادة الزور، وعدم التصويت – فإنك بذلك تكون قد مكنت للفساد، لأن يحكم ويسود، وساهمت في الظلم، وكنت شريكا لهم في كل إثم يرتكبوه، هذا كله بسبب شهادة زور، أو السلبية التي جعلتك لا تدلي بصوتك. ألا تعلم بأنه قد يتوقف نجاح أحد، أو سقوطه على صوت؟ فقد يكون صوتك، مرجحا لكفة أحد على آخر، أو قد يكون الفيصل الذي يحسم حلالا، أو حراما. هذا جانب، والجانب الآخر، أن عدم المشاركة، إنما يعني كتمانا للشهادة (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) وفي الحالتين ارتكاب لكبيرة من أكبر الكبائر. وبذلك وردت الفتاوى في ذلك.


الفتوى الأولى: الإدلاء بالصوت في الانتخابات
السؤال: السلام عليكم. يوجد عندنا في سورية انتخابات لمجلس الشعب، ويتم الآن شراء الأصوات؛ فهل هو عمل شرعي، أم لا، وهل يجوز أن أعطي صوتي مقابل مبلغ مالي؟
الفتـــوى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين، ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فالإدلاء بالصوت هذا أمانة، وعلى كل من له صوت في ذلك، أن يتقي الله تعالى في الاختيار به، وأن يختار من يراه الأقوى على تحمل المسؤولية بحسب نظره، ولا يجوز أن يختار بغير ذلك مهما كانت الأسباب، لحديث النبي =554; : عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم [من استعمل عاملا على قوم، وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله، وخان رسول الله وخان جميع المسلمين. وأن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: [من مشى إلى سلطان الله في الأرض، ليذله أذل الله رقبته قبل يوم القيامة، مع ما ذخر له من العذاب.] وسلطان الله كتابه وسنن نبيه.
فإذا لم يعرف عن أحد كفاءة، فليسأل عنه من يثق به من الناس الآخرين، فإذا لم يوفق في ذلك فليتوقف عن اختيار أحد. والله تعالى أعلم.


الفتوى الثانية: الانتخابات في ميزان الإسلام..
الفقهاء أجمعوا على ضرورة اختيار الأصلح وتأثيم بيع الصوت.
الانتخابات وسيلة من الوسائل، التي يستطيع بها المسلم خدمة الإسلام، وإقامة واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويجب على الناخب، أن يختار الأفضل خدمةً للدين، وعليه أن يعلم أن صوته أمانة يجب أن يؤديها بما يرضي الله تعالى، بعيداً عن المصالح الخاصة والأهواء، وهو نوع من الجهاد المدني وإحقاق الحق ودفع الباطل. ويجب الابتعاد عن عملية شراء الأصوات، أو بيعها، لأن ذلك من قبيل الرشوة المحرمة شرعاً، مع ضرورة اختيار من يتوسم فيهم الصلاح والخير.


وعن حكم شراء الأصوات، يقول المستشار الشيخ: فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء: لا يجوز شراء الأصوات من أي واحد من المرشحين، لأن الانتخاب أمانة وشهادة، والمطلوب من المسلم، أن يؤدي الشهادة لله، وبما يرضيه سبحانه، فإذا أخذ مبلغاً من المال فهو يعطي صوته لمن دفع المبلغ، وهي حينئذ شهادة لا ترضي الله عز وجل. ومثل من يبيع صوته لأحد المرشحين، كمثل من يشهد على إنسان أمام القضاء، فتؤدي شهادته إلى تبرئته وهو مجرم، أو إلى تجريمه وهو بريء، فهذه شهادة زور، وقد نهى رسول الله صلي الله عليه وسلم عن شهادة الزور بأشد أنواع النهي، كما هو معروف. قال صلي الله عليه وسلم : [ألا أحدثكم بأكبر الكبائر؟] قالوا: بلى يا رسول الله. قال: [الإشراك بالله، وعقوق الوالدين.] قال: وجلس وكان متكئا، فقال: [وشهادة الزور، أو قول الزور.] فما زال رسول الله يقولها حتى قلنا: ليته سكت.


وعن ضوابط الاختيار، يقول المستشار فيصل مولوي: الانتخابات في العصر الحاضر، هي وسيلة تعارفت عليها الشعوب لاختيار من يمثلها في شؤون الحكم وإدارة البلاد. وإذا أتيح للمسلم أن يعطي رأيه في هذه الانتخابات، فيجب عليه أن يختار الإسلاميين الذين يسيرون وفق كتاب الله وسنة رسوله  فإن لم يكن بين المرشحين من يدعو لذلك، فعليه أن يختار الأفضل منهم، وإن لم يجد فعليه أن يختار الأقل ضرراً، ولا يصح له الامتناع عن إبداء رأيه عن المشاركة في الانتخابات، حتى ولو لم يكن هناك مرشحون إسلاميون، لأن هذا الامتناع سيؤدي إلى اختيار مرشح قد يكون أكثر ضرراً بالنسبة للإسلام وللمسلمين، وهذا الحكم مبني على القاعدة الشرعية المعروفة وهي "اختيار أخف الضررين" والله أعلم.


ويقول الأستاذ الدكتور عجيل النشمي عميد كلية الشريعة جامعة الكويت سابقاً: الصوت شهادة وتزكية وأمانة، والشهادة لها مكانة خاصة في الشريعة الإسلامية والقانون، فيجب وضعها في موضعها. ولكي يتجرد صاحب الشهادة من أي غرض، فإنه لا يجوز شرعاً أن يأخذ المسلم أجراً على هذه الشهادة، وإن كانت شهادة حق، ويأثم إن كتم شهادة الحق والعدل، التي يترتب عليها إنصاف المظلوم. قال تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ). وقال تعالى: (وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) ، ولا يجوز للمسلم، أو المسلمة أن يشهد، إلا بحق فلا يعطي صوته وشهادته، إلا لمن يعرفه معرفة جيدة.
وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ذُكر عند رسول الله صلي الله عليه وسلم الرجل يشهد بشهادة، فقال لي: [يابن عباس، لا تشهد إلا على ما يضيء لك، كضياء هذه الشمس]، وأومأ رسول الله بيده إلى الشمس.أخرجه الحاكم، وتكلم في أحد رواته البيهقي، ولكن معناه صحيح.
ومن يدلي بصوته لمن يعلم عدم كفاءته، مع وجود الكفء فهذه شهادة زور، لأنها شهادة كذب، ليوصل بها من لا يستحق إلى موضع ومقام خطير، ويتحكم به في مصير بلد، ويتحدث فيه نيابة عن كثيرين، بل إنه يمثل الأمة، ولا يمثل نفسه ولا دائرته فحسب، فإذا كان هذا الشاهد، أو هذا الناخب قد أخذ مالاً لتوصيل هذا النائب، فإن هذه شهادة زور مركبة، جمعت بين الكذب والبهتان وأكل المال بالباطل، ومن ثم ينبغي أن يُسقط عن النائب منصب النيابة، فترفع عنه الحصانة النيابية، ليُقدم إلى المحكمة؛ لأن ما بني على باطل فهو باطل.
ولذلك اتفق الفقهاء على نقض الحكم القضائي، إذا تبين أن الشهود قد شهدوا زوراً وكذباً، ويضمنون ما ترتب على شهادتهم من ضياع أموال وغيرها. وإذا ثبت قضاءً أن النائب قد وصل إلى المجلس بطريق شهادة الزور، ولو كان شاهد زور واحد لا ينقص النصاب المطلوب للفوز، فإنه يجب إسقاط عضويته، نظراً لأصل العمل لا لنتيجته، كاختلاط الحلال بالحرام، فإن الحرام يغلب الحلال، ومن سرق مرة فهو سارق، ومن قتل مرة فهو قاتل، كما يجب ألا يعطى فرصة لترشيح نفسه مرة أخرى من باب العقوبة والردع لغيره. ومصيبة شراء الأصوات مظهر غير حضاري، بل هو مظهر غش حضاري.


ويقول الأستاذ الدكتور محمد عبد الرزاق الطبطبائي عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة الكويت: الرشاوى بجميع أنواعها وأشكالها محرمة في الشرع الإسلامي، وقبولها من البعض محرم، سواء بقصد أو بدون قصد، لقول الرسول صلي الله عليه وسلم [لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما] ومن هنا فالراشي والمرتشي ملعونان. ويجب على من يمارس حقه في الترشيح، أو الانتخاب أن يعرف الأحكام الشرعية الخاصة بهذا الأمر، أو ذاك، فالترشح لنيل العضوية يتطلب توافر مجموعة من الشروط منها:

ألا تكون نية المرشح التنافس على مناصب الدنيا، أو الحصول على مكسب من مكاسبها الزائلة، وألا ينافس من يعلم أنه أكفأ منه وأجدر لهذا المنصب، فإذا علم أن أحداً أكفأ منه وأجدر لهذا العمل، فعليه ألا يقدم نفسه عليه.كما يجب أن تتوافر في المرشح، القدرة على القيام بحق هذا العمل وواجباته من الإصلاح والمتابعة وما تقتضيه نيابة العضو عن أبناء شعبه، الذين انتخبوه، وفي المقابل يجب على الناخب، أن يبحث عن الأكفأ للاختيار ممن تتوافر فيه الكفاءة والقدرة على القيام بالعمل، الذي سيوكل له، والعدالة والحكمة، فإذا توافرت هذه الشروط في المرشح لا يجوز اختيار غيره، بحجة مبادلة الأصوات، أو شرائها، أو غير ذلك، كما على الناخب أن يحذر من أن يكون اعتبار الاختيار، لصلة القرابة، أو الصداقة، أو الجوار، أو المصلحة، أو للجماعة، أو الفرقة، التي ينتمي إليها، والأشد من ذلك، أن يكون اختيار المرشح قائماً على أساس الرشوة، سواء كانت مادية، أو لمصالح أخرى، فهي حرام شرعاً، وإن وقع ذلك منهما أي من المرشح والناخب فهما ملعونان، وعلى من أخذ الرشوة أن يردها فوراً على الراشي.


وعن أساس الاختيار يقول الأستاذ الدكتور عبد الحي الفرماوي الأستاذ بجامعة الأزهر: الأصل في العملية الانتخابية هو الاختيار المبني على الوعي وعلى فهم طبيعة المرشح واتجاهه، ولابد من توعية الناخبين بذلك، حتى تكون الانتخابات وسيلة ناجحة ومؤدية إلى الهدف المنشود، ولذلك لا يجوز شراء الأصوات، إذ فيها إهدار لرأي الناخب، وأيضاً تزييف في ذات العملية الانتخابية.


ويقول الأستاذ أحمد يوسف سليمان أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة عن حكم مراعاة العصبية والقرابة أثناء الانتخابات: لما جاء الإسلام وجد أهل الجاهلية يتعصبون لقبائلهم، وانتماءاتهم العرقية، ويفتخرون بذلك على غيرهم، فنهاهم عن تلك العصبية الممقوتة وقال صلي الله عليه وسلم عنها: [دعوها فإنها منتنة]، وذلك لأنه يترتب على هذه العصبية للأهل والأقارب، اتباع الهوى، وغمط الحق، وإنكار العدل، وتسويغ الباطل، والرضا بالظلم، وهي كلها أمور تناقض تعاليم الإسلام السمحة، وتعارض قيمه النبيلة.
فعلى المسلم في عملية الاقتراع، أو غيرها ألا يتعصب إلا للحق، ولا ينحاز إلا للعدل، وأن يكون قواماً لله بشهادته، فيختار لأمته أفضل من يمثلها، ولو لم يكن قريباً له، ويتجنب اختيار من يسيء تمثيلها وإن كان أقرب إليه وأحبهم إلى نفسه.
ويقول الأستاذ الدكتور وليد الربيع أستاذ الشريعة بجامعة الكويت: يمكن تكييف الانتخابات من الجهة الشرعية على أحد أمرين:
الأول: أنها شهادة من الناخب بصلاحية من انتخبه للقيام بما سيعهد إليه من وظيفة وولاية عامة.
الثاني: أنها تزكية من الناخب للمرشح، والتزكية في باب القضاء تعدل الشهود عند القاضي. وقد قرر الفقهاء أن شهود التزكية يتفقون مع شهود الدعوى في أمور، منها أنه يشترط في كل منهما العقل الكامل والضبط والولاية والعدالة والبصر والنطق، وألا يكون الشاهد محدوداً (قد أقيم عليه الحد) في قذف، وعدم (انتفاء) القرابة المانعة من قبول الشهادة وألا تجر الشهادة على الشاهد نفعاً.
وبناءً على ما تقدم يتضح أن الانتخاب إما شهادة وإما تزكية من الناخب للمرشح، وفي الحالتين لا يجوز للشاهد أخذ مال مقابل شهادته، وإذا أخذه سقطت عدالته، لأن ذلك من قبيل الرشوة المحرمة شرعاً. والله أعلم.

---------------------

موجه شئون قرآن بالمنطقة الأزهرية بالشرقية

أضيف في: 2010-09-23        عدد المشاهدات: 1558
 
 
 

اضافة تعليق ...

 
 
 

التعليقات ...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الموقع غير مسئول عن التعليقات التي ترد من الزائرين والرجاء أن يكون التعليق مراعيا الآداب العامة مع عدم التجريح أو الإساءة للأشخاص أو الهيئات
 
   

ضع البريد الإلكتروني هنا

 
 
هل ترى إرتداء أساتذة أصول الدين للزى الأزهرى  
  ضرورة
  مستحب
  عادى
  لا أهتم
قال بلال بن سعد: (لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر من عصيت)
Could not connect: